بين اقتباس والتباس "نص مسابقة أقرأ"
أيْقَظَتْنِي عبارةٌ كتبتُها في نَصِّي الذي يوشكُ أنْ يرى النور، قلّبتُ رأسي للحظةٍ فشعرتُ وكأني سمعتُ هذه العبارة من قبل، ولا أدري أينَ سمعتهُا ومتى!
تَملَّكني هذا الهاجسُ المُربك؛ فززتُ من فراشي جالسًا وبقيتُ أديرُ رأسي من مكانٍ لآخر؛ لكني كنتُ أرى تلكَ العبارةَ أينَما وليتُ وجهي وكأنها قد كُتِبَت في كلِّ مكان. بقيتُ أَجوبُ الغرفةَ جيئةً وذهابًا : ماذا لو كانت مسروقة؟
بقيتْ هذه العبارةُ على عتبةِ ذاكرتي، حاولتُ أن أجعلَها تأخذُ مكانَها الصحيحَ لكنها لم تُطِعْني، عُدتُ إلى فراشي وأغمضتُ عينيَّ في محاولةٍ يائسةٍ للنومِ ولو لساعة، لكن القلقَ بقي ينهشُني وينهشُ ذاكرَتي ويضعُ تلكَ العبارةَ مكانَ كلِّ ذكرى أحببتُها؛ وكأنه يحاولُ إسقاطَ كلِّ عبارةٍ تربعتْ في الذاكرةِ ليضعَها مكانَها. وبينما كنتُ أجاهدُ وحدي أمامَ عبارةٍ من أربعين حرفًا، وجدتُ نفسي فجأةً أجاهدُ أمام جيشٍ من الأحرفِ. ولا سلاحَ في يدي إلا بقايا ذاكرةٍ خائنةٍ تتلاعبُ بي ذات اليمينِ وذات الشمالِ فتارةً تُسمِعُني نصي بأصواتٍ أخرى لم أعرفْها يومًا وتارة أخرى تضعُ تلك العبارةَ في وسطِ صفحةٍ من صفحاتِ كتبٍ أحبُّها. فتُعيدُني هذه الذاكرةُ العابثةُ الملتبسةُ إلى تلك الدوامةِ مرةً أخرى وإن كنتُ لم أخرجْ منها من الأساس..
ظلَّتْ لتربكَ كلَّ الكلماتِ القادمةِ والقديمةِ وتجعلَ من حروفِها الأربعين أبجديةً جديدةً أعيشُها عمرًا وكلما. أصبحتُ عاجزًا عن ممارسةِ أكثر مهامي اعتيادية، عجزتُ عن قراءةِ رسائلي أو كتابةِ الرسائلِ للآخرين، وعن قراءةِ الصحفِ اليومية، كففتُ عن ُصنعِ ما كنتُ أصنعُه طَوالَ حياتي لأتكئَ عليهِ، عزفتُ عن صُنعِ الحكاياتِ لـأن كلَّ حكايةٍ عبَرَت بي في تلك الأيامِ كانت تُعاتبُ في عتبةِ الذاكرة؛ لأنها لا تحملُ تلك العبارةَ ثم تحبسُ في مكانٍ لا أستطيعُ الوصولَ اليه. بقيت هذه العبارةُ تسطو على كلِّ كلمةٍ تعبرُ ولو سريعًا. لم تتنازلْ حتى لتركِ تلكَ الكلماتِ الميتةِ في بطاقةِ الطبيبِ النفسيِّ التي استلمتُها من مديري في العمل.
لأخرجَ بعدها مسرعًا بخَطَواتٍ متعثرةٍ إلى عيادتِهِ لعلي أجدُ عندَه حلًّا يجعلُ احتمالَ كلِّ ذلك ممكنًا.
جلستُ أمامَه بعد أن رجوته أن يقلبَ شهاداتِه المعلقةِ على الحائط، واللافتةَ التي تحملُ اسمَهُ وكلَّ ما يحملُ كلمةً في هذه الغرفةِ حتى لا يوقظ كلُّ ذلك تلك العبارة.
رأى الطبيبُ أنَّ مواجهةَ الأمرِ سيخففُ من حدتِه، كما يرى الأطباءُ دائمًا، الأطباءُ لا يملكون إلا حاسةَ البصر. وبما أنَّ ما أصابني لم يكن أمرًا عاديًا قررَ الطبيبُ أنني بحاجةٍ إلى علاجٍ غيرِ عادي، علقتُ حينها مُرغَمًا في مصحّةٍ بيضاءَ تمامًا؛ بلا صوتٍ أو صدى. كانت أشبهَ بكابوسٍ مرعبٍ لا يعتادُه الإنسان، وإن زارَه في كلِّ ليلة. يعتادُ الإنسانُ أيَّ شيء، وكلَّ شيءٍ مهما بلغَ سوؤُه، لكن الإنسانَ لا يعتادُ الصمتَ، ولا تلك الوفرةَ في رصيدِ الكلام. إنها تشبهُ أن تفيضَ عروقُك بدمٍ أكثرَ من اللازم، إنها مؤلمة، تتحاشاها في أيامِك الأولى، بالحديثِ مع نفسِك، مع الأسرّةِ والأغطيةِ والطاولات، لكن تلك العبارةَ ما زالت تقتلُ فيّ كلَّ العبارات. العبارةُ التي بدأَ عندَها كلُّ شيءٍ أصبحت نهاية.
تتمنى أن تصرخ، لكنَّ الصمتَ يخنقُك، وتخنقُك أكثر حقيقةُ أنَّ لا أحدَ سيسمعُك ولن تسمعَ أحدًا، ما عدا الموسيقا ربما، النوتاتُ الموسيقيةُ لأغانيك المفضلةِ ولكن دون كلماتٍ ودلالات، تحاولُ الغناءَ ووضعَ كلِّ كلمةٍ في مكانِها، لكنها محاولاتٌ عصية؛ لأن الصمتَ لن يسمحَ لك، ولأنّ البياضَ يصطادُ كلماتِك الملونةَ ويحبسُها فيه، هذا البياضُ المربكُ الفاسدُ الذي لا يملكُ حدًّا أو مبدأً، القابلُ لأن يكونَ أيَّ شيء وكلَّ شيء.
وفي محاولةٍ لتحدي هذا الحيادِ المحايدِ في ذاتِه، هذا اللونُ الذي يقبلُ على نفسِهِ أن يكونَ مهدًا أو كفنًا، أمسكتُ بطرفِ خشبةِ السريرِ البيضاء، وغرستُها في كفي، لم أشعرْ حينَها بالألمِ ولم أسمعْ صوتَه، لكنني رأيتُه، رأيتُ لونًا آخر غير اللونِ الأبيض. لكن بماذا يفيدُ ذلك إن كنتُ لا أستطيعُ القولَ إنني أنزفُ أو إن دمي أحمر، ربما قلتُ ولم أسمعْني!
كان كلُّ ذلك البياضِ كثيرًا عليّ، على رجلٍ قضى عمرَه مقيمًا في المتونِ والحواشي متنزهًا في بساتينِ الكلمات؛ لينتقي أجملَ ما يمكن أن يكتبَه؛ بات في يومٍ وليلة ساكنًا في هامشٍ متسعٍ في صفحةِ ديوانِ شعرٍ رديء.
أدرتُ عينيَّ في ذلك البياضِ الشاسعِ فانقشعَ عن الغرفةِ شيئًا فشيئًا ليسدلَ الستار على كابوسٍ من أشدِّ كوابيسي فتكًا وألمًا، نهضتُ من فراشي وركضتُ نحو الطاولة أبحثُ عن كلمةٍ تؤكدُ لي سقوطَ سلطةِ الأربعين حرفًا. رفعتُ دفترَ العناوين فتساقطت العناوينُ أمام عينيَّ وحلَّت تلك العبارةُ محلَّ كلِّ العناوين، حتى سقطَ آخرُ عنوانٍ لم تتمكنْ تلك العبارةُ من الجلوسِ على عرشِه.
تعليقات
إرسال تعليق