المشاركات

عازة عزّ وصالك..

صورة
عازة.. عز وصالِك على الضفة الأخرى تنتظرني، يدها ممدودة نحوي، وجهها غائم الملامح، تسربلها هالة ضيّ رماديّة، دخان خانق يحيط بالأنفاس.. أضع قدمي في النهر وأغمض عيني، أعصر كفي وأغرس أظافري في باطنها ليشتتني الوجع، والنهر يسحبني للقاع، وأنا أشُد خُطاي، ابتسامتها الغائمة على وجهها، يدها الممدودة، وأنا والخوف والنهر، أهدهد خوفي بالأغنيات، أنظر للون الماء الذي تحول لأحمر قانٍ؛ أقدامي مُجرحة بالحجارة، يسيل الدم من عيني بدلًا من الدمع، وهي ما زالت هُناك، عينها غائمة ويدها ممدودة، وأنا أحاول الوصول، أجاهد للوصول، اقتربت من ضفتها فابتعدت اليّد، كبلوها بالسلاسل، وقادوها وهي تصرخ وتهدر، كسرو أقدامها، وجزّو شعر رأسها ونثروه في النهر، وأنا واقفة على بعد خطوة من الضفة، في الدرجة الأخيرة من سُلم الوصل، قبل التمام، واقفة، شعرها الأسود الأجعد يموج تحت قدميّ، صوتها يدمي قلبي، النهر يسحب أقدامي للأسفل، اصبحت استشعر طعم الدم والماء في فمي، غرقت، وهي تناديني وتناجيني، وأنا خرساء الصوت، يأكلني قلق التأخر، ينهشني وجع الغياب، أغرق وأغرق.. عازة ماسليت وطن الجمال ولا ابتغيت بديل غير الكمال وقلبي لسواك ما شفته مال

سعاد الكابلي

صورة
. عن سُعاد الكابلي افتقاري لمعرفة سياقات كثيرة يحرمني من الكتابة عن الشعر السوداني، الشعر النبطي خصوصًا، عن هذا الخيط الأول الذي عقدني بمعرفة الوطن ومحبته.  .. مازلت أظن أن هذا الفقر في المعرفة نتيجة اغتراب، فبرغم اجتهادي لا تأخذ معارفي شكلها الزمني والظرفيّ الصحيح، ينقصني شيء، لا أعرف ماهو ولا أعرف أين سأجده أو متى، أحاديثي عن الشعر مقطوعة السياق ومتناثرة مهما حاولت تنظيمها ورتق فراغاتها.. اتتبع الخيط الرفيع كالشعرة بين صفحات الكتب بصبر عظيم، تنقطع الشعرة وتظهر من بين الصفحات شعرة أخرى أرق وأقصر، وعلى هذا المنوال أحاول ربط ما أعرفه، ونظمه في سياق يعينني على فهمه لأكتب، أبحث في أرشيف صحيفة الراكوبة، هذا الموقع الذي كان نافذتي الأولى على الوطن، قرأت فيه في عمر صغير "عُرس الزين" وطار عقلي انبهاراً. ولا يسعني أن استمتع بما نملكه من أثر وشعر دون أن أكتبه، الأمر أشبه بالخرَس؛ كيف يمكن أن يشير الأخرس لجمال يذهله وهو يجهل لغة الإشارة؟ كيف يخبر من حولّه عن مواضع الوجع في جسده وروحه؟ واجهت كُل هذا العجز عندما استمعتُ مصادفة لسُعاد الكابلي عن قصيدة عمر الدوش في جو شعري/ مسرحي يصف عمر ا...

بين ذاكرة الأرض وذاكرة الفرد

صورة
بين ذاكرة الأرض وذاكرة الفرد قراءة شخصية في مونولوجات بشير أبوسن. منذ أكثر من أربعة أعوام كان الوطن دارًا شاسعة وأليفة في ذاكرتي، فارغة إلا من عُدةٍ لا أجيد استعمالها، وأثاث قديم لكنه يُثير في نفسي شجنًا لم أعرفه ولم آلفه من قبل. تسلحت بالمُحبة وبدأت أُعيد تأهيل ذاكرتي ونفض الغبار عن شجوني القديمة؛ وكان لشعر بشير وحكاياته عن الطيب صالح والفيتوري وغيرهم من العظماء فضلٌ عظيمٌ علي في تلك الأيام.  ما زلت أذكر قراءتي العاصفة بالدموع أول مرة لديوانه "أغنيات في شارع الحريّة"، أقرأ بداية الأبيات فينساب باقيها على شفتيّ، وأذكر ليالي الغُربة التي قرأت فيها شعر بشير في فيسبوك وتويتر، وبقي في ذاكرتي فريدًا ومُختلفا عن غيره، وأليفًا مُحببًا دون غيره.  وأذكر أيضًا قصيدة الفيتوري "سقوط دبشيلم" بصوته المجروح، كطقسٍ يوميٍ يفصل ليلي عن نهاري، أرتب فوضى الليل في غرفتي وأُلملم أكواب القهوة؛ ضوء الشمس يتسرب من ستائر غرفتي في الثامنة صباحًا، وصوت بشير تجرحه قصيدة الفيتوري   "الريح في شوارع المدينة المائلة الشرفات  تُدحرج الطبول  والقمر القديم شاحب الرؤى  يحلُمُ بالأفول...

سفر العمر

صورة
. لمصطفى سيدأحمد  لا يسعني أن أتخيل صوت السودان كُلّه إلا في حنجرة مصطفى سيدأحمد! والذي أردد دائمًا أني أحُس أنه يغني لي وحدي، لوحشتي في الأعياد في شقى الأيام "وأصابح بكرة كيف العيد وعايش فرقتك هسّه"، لأُنسي وصفاء بالي في الصباحات أترنم بالصباح الباهي لونك، لعودتي ظُهرًا من الجامعة رفقة راوية؛ نتناسى حرّ انقطاع الكهرباء ونتخيّر تسجيلاً مختلفًا للسمحة قالو مرحلة..  كيف يمكن لعاقل ألا يطرب للسمحة قالو مرحلّة ؟!  لا أظن أن ذلك ممكنًا! من أغانيه العالقة بذاكرتي في أيام الصِبا، إلى رحلة الاكتشاف المستمرة، لنوراي بت العرب النوبيّة، وزهرة الصبّار، انتهاءً بشعر حميّد الذي يفيض سحرًا وجمالاً في حُنجرته، يا مطر عزّ الحريق، ياجمّة حشا المغبون.  من كل ذلك بدأت قِصة العشق..  صوت الدار مصطفى، ضِلُّنَا المرسوم على رمل المسافة، صوت البَلد، يكفيني صوته المتسرب من حافلة مواصلات لأختارها مُغمضة العينين دون غيرها، يُغني مصطفى فأنسى دون جُهد المقاعد اليابسة غير المريحة، الشمس الحارقة، الحرّ الخانق.. كل ذلك يتلاشى حين تنبعث نغمة ضجة الشوق ويشدو مُصطفى "في عيونك ضجّة الشوق والهواجس" ...

١ نوفمبر - أوراق الزيتون

في استراحة محارب ليليّة.. الثالثة فجرًا الثاني من نوفمبر "عبثًا أُخدر جرحي المكشوف" بالأغنيات والقصائد؛ أستمع لأحمد المصطفى.. وأعيد قراءة أعمال درويش الكاملة، ليعود لي ذاك الألق والبريق والأنس الخياليّ الذي لا يوصف.. في أولى الصفحات وفي الديوان الثاني - الأول إن لم نُعُد عصافير بلا أجنحة -  في أوراق الزيتون يقول لنا درويش: "يا قارئي لا ترجُ مني الهمس! لا ترجُ الطَرَب هذا عذابي ضربةٌ في الرمل طائشةٌ ؤأُخرى في السُحُب! حسبي بأني غاضبٌ والنارُ أولُها غضب!" وهاهي النار تأكل عدوّك اليوم يا درويش، ومازال شِعرك يُتلى، نبتت حبوب السنبلة ومُلئ الوادي بالسنابل.  مرتّ خمسة أعوام ربما من ذكرى لقائي الأول بِك يا سيد الهوى؛ من خمسة أعوام وحتى اليوم مازالتُ ضائعة، ومازلتُ أقاوم، غادر الجميع وبقيت أنت؛ شيخي ومؤنسي الذي أعود لبابه كلما تاهت الخُطى وتشابكت الدروب.. أتذكر لقاءنا الأول؟  حين همست لي أن شُباكًا في الوطن ينتظرني...  صدق وعدك يا شيخي؛ وجدت شُباكي وبقيت أُطل منه على داري، غير أني بقيتُ عاجزة عن دخولها، عن فهمها، عاجزة حتى عن فهم نفسي في سياقها.  يُغني أحمد المصطفى "ف...

وقفة مع قصيدة الشاعرة والدكتورة شفيقة وعيل "استجداء لذاكرة الماء"

وقفة مع قصيدة الشاعرة والدكتورة شفيقة وعيل  "استجداء لذاكرة الماء" وأستعير تعبيرها حين قالت في مطلع إحدى قصائدها:  "الخطوة الأولى تزاول ظِلها"؛ وخطوتي في الكتابة عن قصيدتها هذه "خطوةٌ تزاول ظلها" ليس فقط لأن الدكتورة شفيقة أستاذة في النقد والتصوف؛ بل لكونها أيضًا شاعرة شديدة العذوبة والحساسية. كان لقائي الأول بشعر الدكتورة في تسجيل لأحدوثة شعرية لمنصة براح؛ كان عنوانها "نوفمبر سدرة اللامنتهى" عن الوطن وبدأ انبهاري فيها في المقدمة التي أعاد فيها الشاعر هاني تيتاوي بيت من قصيدتها "لبراق قرمزي" حين قالت:  "اليقينيّ أنت، والكون وهم جئت أصلًا ونحنُ منك اشتقاقُ " و استخرجت تسجيل قصيدتها العذبة "وطن المجازات" من نفس المساحة لأحتفظ بها وأنشرها. تلا ذلك رحلة بحثي في الانترنت والمنصات عن قصائد الدكتورة ولقاءاتها وأسفرت رحلة البحث هذه عن قصيدتها التي أقف عليها اليوم  "استجداء لذاكرة الماء". تقول الدكتورة أن القصائد إما أن تكون بنات عقل أو بنات روح، وأزعم أنا أن هذه القصيدة بنت عقل وروح، فهي لم تحتوي فقط على اشتغال عظ...